حسن عيسى الحكيم
194
المفصل في تاريخ النجف الأشرف
الداعي صاحب الديلم فأظهر القبة . وسألت بعض من أثق بهم من عقلاء شيوخ أهل الكوفة عمّا ذكره الخطيب في تاريخه من أن قوما يقولون : إن هذا القبر الذي تزوره الشيعة إلى جانب الغري هو قبر المغيرة بن شعبة . فقالوا : غلطوا في ذلك . فقبر المغيرة وقبر زياد بالثوية من أرض الكوفة ونحن نعرفهما ، وننقل ذلك عن آبائنا وأجدادنا " « 1 » . وذكر سبط بن الجوزي ، في معرض ردّه على الخطيب البغدادي ، قوله : " وهذا من أغلاط ( أبو نعيم ) فإن المغيرة بن شعبة لم يعرف له قبر ، وقيل إنه مات بالشام " « 2 » . ونحن إذ نوافق على هذا القول في قسمه الأول ، فإننا نعارضه في قسمه الثاني إذ أن من المؤكد أن المغيرة بن شعبة قد دفن في أرض ( الثوية ) دون غيرها . وكان الإمام علي عليه السلام ، ببعد نظره وثقب بصيرته ، قد حدد موضع قبره من أرض الغري بعيدا عن الثوية خشية امتداد أيدي العابثين إلى موضع قبره الشريف . فقد أوصى بإخفاء معالم القبر ، وإن هذا مما جعل الناس في حيرة إذ لم يدر بخلد أحد أنه يدفن في الغري ، تلك البقعة الصحراوية الجرداء ، ويبتعد عن ( الثوية ) التي هي جبّانة الكوفة الكبرى . وبقي لا يعلم بموضع القبر الشريف إلا الأئمة من أبنائه عليهم السلام والنخبة الخاصة من محبيهم وشيعتهم طيلة العصر الأموي وجزء من العصر العباسي . لقد أشار إلى تلك الحقيقة ابن أبي الحديد بقوله : ولم يعلم دفنه على الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه فإنهم خرجوا به عليه السلام وقت السحر في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان فدفنوه على النجف بالموضع المعروف بالغري بوصاة منه عليه السلام إليهم في ذلك وعهد كان عهده إليهم ، وعمي موضع القبر على الناس « 3 » . ونقل الشيخ القمي ، عن الشيخ المفيد والسيد ابن طاوس والشهيد الأول ،
--> ( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 2 / 64 . ( 2 ) سبط بن الجوزي : تذكرة الخواص ص 187 . ( 3 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 1 / 364 .